أحمد بن علي القلقشندي
361
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
كرر اللفظ في الموضعين تأكيدا للأمر وإعلاما أنه كذلك لا محالة . وقوله : * ( فَفِرُّوا إِلَى الله إِنِّي لَكُمْ مِنْه نَذِيرٌ مُبِينٌ ولا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْه نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * ( 1 ) فكرر * ( إِنِّي لَكُمْ مِنْه نَذِيرٌ مُبِينٌ ) * من حيث إن الكفر وإن تعدّدت أقسامه لا يخرج عن تعطيل أو شرك ، ففي قوله : * ( فَفِرُّوا إِلَى الله ) * نفي التّعطيل بإثبات الإله ، وفي قوله : * ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * * حيث عدّد فيها نعمه ، وأذكر عباده آلاءه ، ونبّههم على قدرها ، وقدرته عليها ، ولطفه فيها ، وجعلها فاصلة بين كلّ نعمة ونعمة ، تنبيها على موضع ما أسداه إليهم فيها ، وكذلك كرّر في سورة المرسلات : * ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) * * تأكيدا لأمر القيامة المذكورة فيها . وقد وقع التكرار للتأكيد في كلام العرب كثيرا كما في قول الشاعر : أتاك أتاك اللَّاحقون أتاكا ( 2 ) وقول الآخر : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم إلى غير ذلك مما وقع في كلامهم مما لا تأخذه الإحاطة . الضرب الثالث المساواة بأن تكون الألفاظ بإزاء المعاني في القلة والكثرة لا يزيد بعضها على بعض . وقد مثل له العسكريّ في « الصناعتين » بقوله تعالى : * ( حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ) * ( 3 ) وقوله : * ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) * ( 4 ) وقول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لا تزال أمّتي بخير ما لم تر الأمانة مغنما ، والزّكاة مغرما » وقوله : « إيّاك والمشارّة ، فإنها تميت
--> ( 1 ) الذاريات / 50 - 51 . ( 2 ) في الضوء بدله ( احبس احبس ) وهو المشهور في البيت . ( 3 ) الرحمن / 72 . ( 4 ) القلم / 9 .